حين وصل كريستوف كولومبس قارة أمريكا بعد رحلته الملحمية الطويلة، تطلب الأمر خمسة أشهر لتعلم الملكة إيزابيلا في إسبانيا بالأمر، وحين قتل أبراهام لينكولن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، احتاج الخبر أسبوعين ليصل أوربا، أما اليوم ففي كل جهات الأرض نستقبل بشكل فوري ما تبثه الأقمار الاصطناعية وشبكات الانترنيت والتلفزات والحواسيب والهواتف...لقد غيرت التكنولوجيا ملامح الثقافة والسياسة والعلاقات الاجتماعية. تعتبر ثورة المعلومات أحد الأوجه البارزة للاعتماد المتبادل الدولي الذي يتطور بشكل سريع، ويؤثر على أنظمة الحكم لمختلف الدول، فقبل هذه الطفرة التقنية كان من الممكن للحكام المطلقين أن يعزلوا شعوبهم عما يجري خارج حدود الدولة، وكان باستطاعة آلة الدولة أن تتحكم بسهولة في الولوج للخطوط الهاتفية الدولية وأجهزة التلفاز، والشبكات المعلوماتية الدولية لم تكن قد عرفت تطورا كبيرا. أما الوضع اليوم فقد صار مختلفا، وعرفت ميادين تكنولوجيا الإعلام والاتصال تطورا كبيرا وسريعا في الفترة الممتدة بين العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهكذا ولى الزمن الذي كان فيه التحكم في حركية المعلومات أداة لممارسة السلطة السياسية، إذ أدت ثورة الاتصالات إلى تكريس قدرة الأفكار والرسائل والمعلومات على الاختراق، وقربت المسافات كما خفضت كلفة الاتصال، مما ساهم في عولمة الإنتاج والمال، وقزمت دور الدولة كوسيط. فصارت تكنولوجيا المعلومات تربط العالم الكترونيا، وهي بذلك لا تقوم فقط بنقل الأخبار والمال والمعلومات إلى أي مكان في العالم بسرعة فائقة، ولكنها في نفس الوقت تبعده عن تحكم الدولة. قد يبدو مما سبق اتجاهنا نحو مزيد من الانفتاح والديمقراطية، إلا أن المخاطر تبدو أكبر، فمشاركة المعلومات على نطاق واسع ولأغراض عديدة في عالم متصل رقميًا تعني أنَّ بياناتنا الشخصية متاحة للانتهاك، فحين نستخدم الإنترنت، نخاطر بتفاصيل حياتنا الأكثر خصوصية، نغامر بمعلوماتنا المالية ومعلومات حول موقعنا وحالتنا الصحية، وأسرنا وأصدقائنا وشركائنا، ومعتقداتنا السياسية، وتوجهاتنا الاستهلاكية وحتى بياناتنا الصحية، وهي معلومات قد تستغل لأغراض تجارية أو سياسية وحتى إجرامية. وحتى حين تتدخل دولة للتعامل مع هذه الوضعية، فإن هذه التدخلات ذات البعد القانوني والسياسي كثيرا ما تشكل خطورة على ممارسة الأفراد لحقوقهم. فالتشريعات الحديثة بشأن "الجريمة الإلكترونية" مثلا وقوانين تنظيم وسائل الإعلام، تبين الخطر الذي يمكن أن تأتي به القوانين الموضوعة لتنظيم الفضاء الإلكتروني على الحريات المدنية، بما في ذلك حقوق الخصوصية وحرية التعبير، من خلال الرقابة الواسعة للدولة، وحفظ وتخزين بيانات المستخدمين وجعلها متاحة للسلطات بدون ضمانات... لقد صار التطور الرقمي واقعا يهم كل جانب من جوانب حياتنا بمنافعه ومخاطره، ليفرض علينا تحديات ورهانات تبدأ من جعل القوانين والسياسات المناهضة للانتهاكات والجرائم الالكترونية لا تتجاهل الحقوق الأساسية، وتوفير الحماية ضد سوء استعمال السلطة.